محمد بن جرير الطبري
139
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في ذلك تقدير فدية المحصر عندنا ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتظاهرت به عنه الرواية أنه أمر كعب بن عجرة بحلق رأسه من الأَذى الذي كان برأسه ويفتدي إن شاء بنسك شاة ، أو صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام فرق من طعام بين ستة مساكين كل مسكين نصف صاع . وللمفتدي الخيار بين أي ذلك شاء ؛ لأَن الله لم يحصره على واحدة منهن بعينها ، فلا يجوز له أن يعدوها إلى غيرها ، بل جعل إليه فعل أي الثلاث شاء . ومن أبى ما قلنا من ذلك قيل له : ما قلت في المكفر عن يمينه أمخير إذا كان موسرا في أن يكفر بأي الكفارات الثلاث شاء ؟ فإن قال : لا ، خرج من قول جميع الأَمة ، وإن قال بلى ، سئل الفرق بينه وبين المفتدي من حلق رأسه وهو محرم من أذى به ، ثم لن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله . على أن ما قلنا في ذلك إجماع من الحجة ، ففي ذلك مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره . الفدية بعد حلق المحصر وأما الزاعمون أن كفارة الحلق قبل الحلق ، فإنه يقال لهم : أخبرونا عن الكفارة للمتمتع قبل التمتع أو بعده ؟ فإن زعموا أنها قبله قيل لهم : وكذلك الكفارة عن اليمين قبل اليمين . فإن زعموا أن ذلك كذلك ، خرجوا من قول الأَمة . وإن قالوا : ذلك غير جائز . قيل : وما الوجه الذي من قبله وجب أن تكون كفارة الحلق قبل الحلق وهدي المتعة قبل التمتع ولم يجب أن تكون كفارة اليمين قبل اليمين ؟ وهل بينكم وبين من عكس عليكم الأَمر في ذلك فأوجب كفارة اليمين قبل اليمين وأبطل أن تكون كفارة الحلق كفارة له إلا بعد الحلق فرق من أصل أو نظير ؟ فلن يقول في أحدهما شيئا إلا ألزم في الآخر مثله . فإن اعتل في كفارة اليمين قبل اليمين أنها غير مجزئة قبل الحلف بإجماع الأَمة ، قيل له فرد الأَخرى قياسا عليها إذ كان فيها اختلاف . تقدير فدية المحصر وأما القائلون إن الواجب على الحالق رأسه من أذى من الصيام : عشرة أيام ، ومن الإِطعام : عشرة مساكين ؛ فمخالفون نص الخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فيقال لهم : أرأيتم من أصاب صيدا فاختار الإِطعام أو الصيام ، أتسوون بين جميع ذلك بقتله الصيد صغيره وكبيره من الإِطعام والصيام ، أم تفرقون بين ذلك على قدر افتراق المقتول من الصيد في الصغر والكبر ؟ فإن زعموا أنهم يسوون بين جميع ذلك سووا بين ما يجب على من قتل بقرة وحشية وبين ما يجب على من قتل ولد ظبية من الإِطعام والصيام وذلك قول إن قالوه لقول الأَمة مخالف . وإن قالوا : بل نخالف بين ذلك ، فنوجب ذلك عليه على قدر قيمة المصاب من الطعام والصيام . قيل : فكيف رددتم الواجب على الحالق رأسه من أذى من الكفارة على الواجب على المتمتع من الصوم ، وقد علمتم أن المتمتع غير مخير بين الصيام والإِطعام والهدي ، ولا هو متلف شيئا وجبت عليه منه الكفارة ، وإنما هو تارك عملا من الأَعمال ، وتركتم رد الواجب عليه وهو متلف بحلق رأسه ما كان ممنوعا من إتلافه ، ومخير بين الكفارات الثلاث ، نظير مصيب الصيد ، الذي هو بإصابته إياه له متلف ومخير في تكفيره بين الكفارات الثلاث ؟ وهل بينكم وبين من خالفكم في ذلك وجعل الحالق قياسا لمصيب الصيد ، وجمع بين حكميهما لاتفاقهما في المعاني التي وصفنا ، وخالف بين حكمه وحكم المتمتع في ذلك لاختلاف أمرهما فيما وصفنا فرق من أصل أو نظير ؟ فلن يقولوا في ذلك قولا إلا ألزموا في الآخر مثله ، مع أن اتفاق الحجة على تخطئة قائل هذا القول في قوله هذا كفاية عن الاستشهاد على فساده بغيره ، فكيف وهو مع ذلك خلاف ما جاءت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقياس عليه بالفساد شاهد ؟ واختلف أهل العلم في الموضع محل فدية المحصر الذي أمر الله أن ينسك نسك الحلق ويطعم فديته ، فقال بعضهم : النسك والإِطعام بمكة لا يجزئ بغيرها من البلدان . ذكر من قال ذلك : حدثني يحيى بن طلحة ، قال : ثنا فضيل بن عياض ، عن هشام ، عن الحسن ، قال : محل فدية المحصر ما كان من دم أو صدقة فبمكة ، وما سوى ذلك حيث شاء . حدثني يحيى بن طلحة ، ثنا فضيل ، عن ليث ، عن طاوس ، قال : محل فدية المحصر كل شيء من الحج فبمكة ، إلا الصوم . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : سألت عطاء عن النسك ، قال : محل فدية المحصر النسك بمكة لا بد . حدثنا ابن حميد قال : ثنا هارون ، عن عنبسة ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، قال : محل فدية المحصر الصدقة والنسك في الفدية بمكة ، والصيام حيث شئت . حدثني يعقوب قال : ثنا هشيم ، قال : ثنا ليث ، عن طاوس أنه كان يقول : محل فدية المحصر ما كان من دم أو طعام فبمكة ، وما كان من صيام فحيث شاء . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا شبل ، عن عيسى ، عن ابن